منظومة الإصلاح الحضاري في ضوء قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: 116]
دراسة
سننية في بناء المجتمع وحمايته من الانهيار الحضاري
مقدمة
تمثل
آيتا هود (116-117) من الآيات الجامعة التي قررت إحدى السنن الكبرى الحاكمة لمسار
المجتمعات والأمم؛ إذ لم تقتصرا على بيان سبب هلاك الأمم السابقة، بل كشفتا عن
العامل الذي يحول دون وقوع ذلك الهلاك، وعن الوظيفة التي إذا ضعفت أو غابت استحكم
الفساد واستوجب المجتمع آثار سننه وعواقبه.
وتكتسب
الآيتان أهمية خاصة بالنظر إلى موقعهما في سورة هود؛ فقد سبقهما عرض مطول لأخبار
الأمم المكذبة وما انتهت إليه من العقوبات والنهايات المأساوية، حتى ختم ذلك بقوله
تعالى:
﴿وَكَذَٰلِكَ
أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ
شَدِيدٌ﴾ [هود: 102].
ثم
أعقب هذا العرض التاريخي بقوله تعالى:
﴿فَلَوْلَا
كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ
الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾ [هود: 116].
فكأن
الآية تنتقل من بيان ما وقع للأمم إلى بيان السبب الذي كان يمكن أن يمنع وقوعه،
ومن وصف المصير إلى الكشف عن السنن المفضية إليه؛ وقد صدّرها سبحانه بأداة التحضيض
(لولا) التي تضمنت —كما بيّن الإمام أبو حيان الأندلسي رحمه الله— معنى التفجع
والتأسف على تلك الأمم، لتكون نذيراً للمخاطبين. ومن هنا فإن الآية لا تتحدث عن
فضيلة فردية مجردة، وإنما تقرر أصلًا من أصول حفظ المجتمعات واستقامة العمران.
أولاً:
دلالة "أولو بقية" وأثرها في حفظ المجتمع
اختار
القرآن الكريم تعبيرًا فريدًا في وصف الفئة التي تحفظ المجتمعات من الفساد، فقال:
﴿أُولُو بَقِيَّةٍ﴾. وقد دارت عبارات المفسرين حول أن البقية هي الفضل والخير
والعقل والرأي السديد.
قال
القاضي العلامة أبو السعود —رحمه الله—: إن المراد أصحاب الفضل والخير أو أصحاب
الرأي والعقل. وذكر الإمامان الزمخشري والرازي —رحمهما الله— أن البقية تطلق على
خيار القوم وصفوتهم؛ لأن الإنسان لا يستبقي عادة إلا أنفس ما يملك وأفضله، فصار
اللفظ مَثَلاً في الفضل والجودة، كما نقلوا قول العرب: فلان من بقية القوم أي من
خيارهم وأهل الفضل فيهم، ومنه قولهم السائر: (في الزوايا خبايا، وفي الرجال
بقايا).
كما
حمل بعض أهل التفسير لفظ البقية على معنى (البَقْوى) —كالتقية من التقوى— أي ذوو
إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط الله تعالى وعقابه، أو على معنى المراقبة
والخشية في قراءة من قرأ (أولو بَقْيَةٍ) بفتح الباء وسكون القاف، أي أولو مراقبةٍ
وانتظارٍ لعواقب الأمور.
يقول
العلامة السمين الحلبي:
"وقرأ
العامة: بقية «بفتح الباء وتشديد الياء، وفيها وجهان، أحدهما: أنها صفة على فعيلة
للمبالغة بمعنى فاعل، ولذلك دخلت التاء فيها، والمراد بها حينئذ جند الشيء وخياره،
وإنما قيل لجنده وخياره» بقية «في قولهم:» فلان بقية الناس، وبقية الكرام، لأن
الرجل يستبقي مما يخرجه أجوده وأفضله، وعليه حمل بيت الحماسة:
2730
- إن تذنبوا ثم تأتيني بقيتكم ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. .
وفي
المثل «في الزوايا خبايا، وفي الرجال بقايا» .
والثاني:
أنها مصدر بمعنى البقوى. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكون البقية بمعنى البقوى،
كالتقية بمعنى التقوى، أي: فهلا كان منهم ذوو إبقاء على أنفسهم وصيانة لها من سخط
الله وعقابه» .
وقرأ
فرقة/ «بقية» بتخفيف الياء وهي اسم فاعل من بقي كشجية من شجي، والتقدير: أولو
طائفة بقية أي: باقية. وقرأ أبو جعفر وشيبة «بقية» بضم الفاء وسكون العين. وقرىء
«بقية» على المرة من المصدر". اه
وتتجلّى
الدقة الجامعة في هذا التعبير، في كون الفئة الحارسة للمجتمع لا تحقق (البقوى)
وصيانة الذات من الهلاك بالانعزال، بل بـ (الاستبقاء) والتصدر لتقويم الاعوجاج؛
وبذلك يتبين أن "أولو بقية" ليسوا مجرد أفراد صالحين، وإنما هم أهل فضل
وبصيرة، يجمعون بين سلامة المبدأ وصحة النظر وحسن التقدير.
ولعل
التعبير القرآني بالبقية دون غيره يشير إلى أن هذه الفئة تمثل ما يبقى من عناصر
الخير حين تضعف أسباب الاستقامة في المجتمع، وهو الملمح الذي استخرجه أبو حيان
—رحمه الله— حين قرر أن: (الشرائع والدول قوتها في أولها ثم لا تزال تضعف، فمن
ثَبَتَ في وقت الضَّعف فهو بقية الصدر الأول)، وأن وجودها يعد من أعظم أسباب حفظه
من الانهيار.
ثانياً:
وظيفة "أولو بقية" في المجتمع
لم
يكتف النص القرآني بذكر وجود "أولو بقية"، بل قرن وجودهم بوظيفة محددة
فقال: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ﴾. وهذا يدل على أن المقصود ليس
مجرد الصلاح الذاتي، وإنما القيام بمهمة الإصلاح العام. فالآية لا تمدحهم لكونهم
أهل فضل فحسب، بل لقيامهم بوظيفة النهي عن الفساد.
وقد
بين العلامة الإمام الطاهر بن عاشور —رحمه الله— أن المراد بـ"أولو
بقية": (أتباع الرسل وحملة الشرائع) الذين ينهون أقوامهم عن الفساد ويعملون
على ردهم إلى طريق الاستقامة.
وتتأكد
هذه الوظيفة في قوله: ﴿فِي الْأَرْضِ﴾؛ فالنهي هنا لم ينحصر في الدوائر الخاصة، بل
تعدّى إلى الفضاء العام المشترك (في الأسواق، ومواضع الإدارة، والقضاء)؛ إذ
الشريعة لم تُنزل لتُحفظ في الصدور كمعارف مجردة، بل لتكون حاكمةً على حركة
الاجتماع الإنساني.
ومن
ثم فإن وجود أهل الخير وحده لا يكفي ما لم يتحول ذلك الخير إلى قوة إصلاحية فاعلة
في المجتمع. ولهذا لم يعلق القرآن النجاة على وجود الصالحين، وإنما علقها على وجود
المصلحين.
ثالثاً:
صناعة "أولو بقية" في سياق سورة هود
ومن
دقائق نظم السورة أن الحديث عن "أولو بقية" جاء بعد مجموعة من التوجيهات
الربانية التي تمثل الأسس التي تتكون منها الشخصية الإصلاحية.
فقد
قال تعالى قبل ذلك: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾.
ثم
قال: ﴿وَلَا تَطْغَوْا﴾.
ثم
قال: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
ثم
قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ﴾.
ثم
قال: ﴿وَاصْبِرْ﴾.
ثم
أعقب ذلك بقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو
بَقِيَّةٍ﴾.
ويظهر
من هذا الترتيب أن "أولو بقية" لا ينشأون من فراغ، وإنما يتكونون من
اجتماع هذه المعاني:
فالاستقامة تضبط السلوك.
وترك الطغيان يحفظ التوازن.
وعدم الركون إلى الظالمين يحقق الاستقلال
عن أسباب الانحراف.
والصلاة تغذي الصلة بالله تعالى.
والصبر يعين على تحمل أعباء الإصلاح.
وعند
اكتمال هذه المعاني تتكون الفئة القادرة على القيام بوظيفة الإصلاح ومقاومة
الفساد.
رابعاً:
سبب الانهيار في قوله تعالى: ﴿واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه﴾
بعد
بيان غياب "أولو بقية" ذكر القرآن السبب المقابل فقال: ﴿وَاتَّبَعَ
الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾. والإتراف هو التوسع في النعمة والتنعم.
غير أن الآية لم تجعل سبب الهلاك مجرد وجود النعمة، وإنما جعلته في اتباع ما
أترفوا فيه.
فالخطر
ليس في المال ولا في السعة، وإنما في أن يصبح الترف غاية ينصرف الناس إليها
ويؤثرونها على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم؛ فالتعبير بـ (اتبعوا) يقتضي انقياداً
وتسليماً، حتى صار الترف هو الموجه للقرار.
وقد
كشف الزمخشري وابن عاشور —تغمدهما الله برحمته— عن ملمحٍ دقيق في تحديد هوية
﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ هنا؛ إذ بيّنوا أن المراد بهم: (تاركو النهي والمساهلون)؛
وإنما سُمّي انقيادهم للمترفين ظلماً، لأنهم سكتوا عن الباطل وداهنوهم طمعاً في
نيل حظوظهم الفاسدة من تلك السعة. فالقرآن هنا يوسّع دائرة التجريم لتشمل السكوت
والتواطؤ؛ فالمجتمعات لا تنهار بقوة المترفين وحدها، بل باستسلام الفئات الساكنة
لنمط عيشهم.
وقد
فسر المفسرون ذلك بانشغالهم بالشهوات والرئاسة والثروة وطلب أسباب العيش الهنيء،
وإعراضهم عما جاءت به الرسل من الحق والهدى. ومن هنا يظهر أن المجتمعات لا تنهار
بسبب النعمة ذاتها، وإنما عندما تستغرقها النعمة حتى تصرفها عن القيام بواجباتها،
وتغلب عليها الأهواء والشهوات؛ وهو ما يُنتج علاقةً عكسيةً مهلكة: أنه كلما تضخم
حضور المترفين في مفاصل المجتمع، حدث تجريفٌ وإقصاءٌ تلقائي لـ"أولو
بقية".
ولهذا
أعقب ذلك بقوله: ﴿وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ إشارة إلى أن اتباع الشهوات والانغماس في
الترف يقود حكماً إلى الإجرام والفساد.
خامساً:
أثر غياب الإصلاح في استحكام الفساد
تدل
الآية على أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المفسدين وحدهم، بل في غياب من يردعهم
ويقف في وجه فسادهم. فالسياق لم يركز على كثرة أهل الفساد بقدر ما ركز على فقدان
"أولو بقية".
ولهذا
جاء الاستثناء: ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ﴾. وقد ضبط العلماء
كأبي السعود والزمخشري —رحمهما الله— هذا الموضع بضابطٍ لغويٍ يحمي المعنى كما
يقولون؛ فبينوا أن الاستثناء هنا (استثناءٌ منقطع بمعنى: لَكِنْ)، وأن حرف (مِن)
هي للبيان لا للتبعيض؛ إذ لو كان استثناءً متصلاً لصار المعنى فاسداً (كأنه يوبخ
الناجين على قلة نهيهم!). أما بالانقطاع فيستقيم الميزان: إن التوبيخ في ﴿فلولا
كان﴾ متوجهٌ إلى القرون الهالكة بأسرها لأنه لم يكن فيهم أهل بقيةٍ أصلاً، لَكِنَّ
قليلاً ممن أنجيناهم، إنما أنجيناهم حَصْراً لأنهم كانوا على صفة النهي عن الفساد.
ويجوز
في الاستثناء أيضا أن يكون متصلا وذلك بأن يؤول التحضيض بمعنى النفي فيصح ذلك، إلا
أنه يؤدي إلى النصب في غير الموجب، وإن كان غير النصب أولى. قال الزمخشري: «فإن
قلت: في تحضيضهم على النهي عن الفساد معنى نفيه عنهم فكأنه قيل: ما كان من القرون
أولو بقية إلا قليلا كان استثناء متصلا ومعنى صحيحا، وكان انتصابه على أصل
الاستثناء، وإن كان الأفصح أن يرفع على البدل»
وعلى
كل فقد بين أن الذين أنجاهم الله هم أولئك القليل الذين قاموا بوظيفة الإصلاح.
وهذا يدل على أن وجود المصلحين سبب للنجاة، وأن غيابهم من أعظم أسباب انتشار
الفساد واستحقاق العقوبة.
سادساً:
سنة الإصلاح في حفظ العمران
ثم
جاءت الآية التالية مقررة للنتيجة النهائية: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ
الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾. وقد اختير وصف الإصلاح دون الصلاح؛
لأن المقام مقام بيان السنن الاجتماعية التي تحفظ المجتمعات من الهلاك. فالصلاح
نفعه قاصر على صاحبه في الأصل، أما الإصلاح فمتعدٍ إلى غيره، ولهذا جعل القرآن
وجود المصلحين مانعًا من الهلاك العام.
وقد
استنبط الإمام فخر الدين الرازي —عليه رضوان الله— من الآية أصلاً محكما في فقه
العمران؛ وهو أن الهلاك الدنيوي العام لا يقع لمجرد وجود الكفر والضلال في
الاعتقاد، إذا كانت أحوال الناس قائمةً على العدل والصلاح في معاملاتهم فيما
بينهم، وإنما يقع الهلاك إذا انضم إلى الكفر: الظلم والفساد والإفساد في الأرض؛
وعلّل ذلك بأن (حقوق الله مبناها على المسامحة، وحقوق العباد مبناها على المشاحة
والضيق)، ومنه سار القول المأثور: (الملك يبقى مع الكفر ولا يبقى مع الظلم).
وهذا
يبين أن حفظ المجتمعات مرتبط بقيام أسباب العدل والإصلاح، وأن انهيارها يرتبط
بانتشار الظلم والفساد وتعطيل وظيفة الإصلاح؛ فالدولة قد يُنسأ لها في أجلها
بالعدل وإن أشركت، وقد يُعجّل لها بالسقوط بالظلم وإن كثر فيها الصالحون
المنعزلون.
خاتمة
تكشف
آيتا هود (116-117) عن سنة قرآنية عظيمة في حفظ المجتمعات واستقامة العمران، وهي
أن بقاء الأمم مرتبط بوجود طائفة من أهل الفضل والخير والبصيرة تقوم بمهمة الإصلاح
والنهي عن الفساد.
فإذا
ضعفت هذه الفئة أو غابت، واستغرق الناس في الترف والشهوات، وانتشر الفساد دون
مقاومة، بدأت أسباب الانهيار في التكون، وسارت المجتمعات في الطريق الذي سلكته
الأمم السابقة.
وعليه
فإن الآيتين تقرران أن حفظ العمران لا يكون بكثرة العدد، ولا بقوة المادة وحدها،
وإنما بقيام أهل الفضل بوظيفتهم الإصلاحية، وبقاء الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
حيًا في المجتمع، حتى يبقى الناس داخل دائرة العدل والاستقامة التي جعلها الله
سببًا لحفظ الأمم وبقائها.
ولذلك
يمكن تلخيص رسالة الآيتين كلها في عبارة واحدة: إن الأمم لا تسقط عندما يكثر
المفسدون، وإنما تسقط عندما يقلّ أولو البقية الذين يملكون الشجاعة والوعي
والإرادة لإيقاف الفساد قبل أن يتحول إلى نظام حياة.
كتبه
أديب محمد نايف مارش النعيمي
محرم
الحرام 1448