عبقرية الحشد التشريعي في آيات القتال [البقرة: 190-195]: قراءة تحليلية في القسم التاسع من المحور السادس من كتاب تفسير سورة البقرة وبصائرها (الوسيط) للعلامة المجدد المجيدي.

نُشر في: ٢٦ يونيو ٢٠٢٦ شوهد: 0 مرة

أديب محمد نايف مارش

تمهيد

تمتاز آيات القرآن الكريم بدقة بنائها وإحكام نظمها، حتى لتجمع في ألفاظٍ معدودة منظوماتٍ تشريعيةً متكاملة يمكن بيانها بمؤلفات مطولة. وفي هذه المقالة نقف مع القسم التاسع من المحور السادس من كتاب «تفسير سورة البقرة وبصائرها (الوسيط)» للعلامة المجدد الأستاذ الدكتور عبد السلام المجيدي؛ لاستجلاء بعضا من عبقرية الحشد التشريعي في هذا المقطع، وإبراز بعض ما يكتنزه من هندسةٍ بنائيةٍ محكمة تؤكد شمول التشريع القرآني وتكامله، وتكشف جانبًا من إعجازه في إحكام البناء وتعاضد المقاصد.

إنَّ النظرة الكلية لآيات هذا القسم تكشف عن هندسةٍ تشريعيةٍ بالغة الإحكام، تنتظم فيها الأحكام والضوابط والمقاصد في بناءٍ واحدٍ متماسك؛ إذ يكشف المؤلف عن منظومةٍ متكاملة تظهر في سببين، وأربعة شروط، وستة مبادئ، وخمسة مفاهيم، صيغت جميعها في نسقٍ تشريعي متدرج يؤسس لمنظومةٍ رادعةٍ تحفظ المجتمع، وتصون الدولة، وتضبط علاقاتها وتعاملاتها.

وبيان هذا الكم من الأصول التشريعية، والسياسية، والدفاعية، والاقتصادية في ست آيات فقط، تمثل شاهدًا قويًا على إحكام البناء التشريعي في القرآن، وعلى قدرته الفريدة في تأسيس حضارةٍ متوازنةٍ تجمع بين القوة والعدل، والردع والرحمة، والإعداد والإحسان.

________________________________________

أولًا: الوحدة البنائية للمحور التشريعي

يسير هذا المقطع وفق تدرجٍ تشريعي بالغ الدقة، يبدأ ببيان سبب مشروعية القتال، ثم ينتقل إلى ضوابط ممارسته، ثم يبين غايته، ثم يحدد متى يتوقف، ثم يقرر ضوابط الرد بالمثل، ثم ينتقل إلى تمويل القوة وإعدادها، ثم يختم بحماية الأمة من أسباب الانهيار، مقرونًا بالأمر بالإحسان.

وبذلك تنتظم الآيات في منظومة واحدة تبدأ من تشريع المواجهة، وتنتهي بتأمين بقاء الأمة واستمرار رسالتها.

________________________________________

ثانيًا: سببا مشروعية القتال

يمكن استخلاص سببين رئيسين جعلهما القرآن أساسًا للمواجهة المشروعة:

السبب الأول: رد الاعتداء

قال تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} فالأصل هو دفع العدوان، وصيانة الأمن، وحماية المجتمع من المعتدين.

السبب الثاني: إزالة الفتنة

قال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} أي إزالة أنظمة الاضطهاد والصد عن سبيل الله، حتى يتمكن الإنسان من اختيار الحق دون إكراه أو قهر.

________________________________________

ثالثًا: شروط قتال المعتدين

ومن خلال الآيات يمكن استخلاص أربعة ضوابط ميدانية تحكم مشروعية القتال:

الشرط الأول: الإخلاص {في سبيل الله}، فلا يكون القتال لمطامع التوسع أو العصبية، وإنما لإقامة العدل ودفع الظلم.

الشرط الثاني: تحقق الاعتداء {الذين يقاتلونكم}، فالاعتبار بحصول العدوان، لا بانتماء المعتدي أو جنسه أو قوميته.

الشرط الثالث: حظر الاعتداء {ولا تعتدوا}، فيحرم تجاوز حدود العدل، ويمنع الاعتداء على غير المقاتلين، والتمثيل، والإفساد بغير حق.

الشرط الرابع: ملاحقة المعتدين وعدم تمكينهم من إعادة العدوان

قال تعالى: {واقتلوهم حيث ثقفتموهم} وهو تقرير لمبدأ عدم ترك المعتدين يعيدون تنظيم أمورهم أو الاحتماء بما يمكنهم من استئناف عدوانهم.

________________________________________

رابعًا: المبادئ الاستراتيجية المصاحبة للقتال

وتقرر الآيات ستة مبادئ كبرى تحكم هذه المنظومة كلها.

المبدأ الأول: أصالة السلم

{فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين} فالقتال ينتهي بانتهاء العدوان، ويبقى السلام هو الأصل متى انتظم سببه.

المبدأ الثاني: المعاملة بالمثل

{والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} فالردع يقوم على المماثلة دون تجاوز أو ظلم.

المبدأ الثالث: التقوى والرقابة الإلهية

{واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين} لتظل الأحكام العسكرية والسياسية منضبطة بقيم الإيمان والعدل.

المبدأ الرابع: الإعداد المالي

{وأنفقوا في سبيل الله} فالقوة الاقتصادية ركن أساس في بناء القوة الشاملة، وضمان استمرار القدرة على حماية الأمة.

المبدأ الخامس: حماية الأمة من أسباب الهلاك

{ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} فكل ما يؤدي إلى انهيار الأمة أو إضعاف قدرتها أو تعريضها للهلاك داخل في النهي.

المبدأ السادس: الإحسان

{وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} فالإحسان هو المعيار الأعلى الذي ينبغي أن يضبط جميع الأعمال، العسكرية والإدارية والاقتصادية.

________________________________________

خامسًا: مفاهيم التهلكة في ضوء الآية

ومن خلال عموم الآية وسياقها يمكن استخلاص خمسة مظاهر كبرى تدخل في مفهوم التهلكة:

المفهوم الأول: الإعراض عن هدي الشريعة

لأن الشريعة هي نظام الحماية الذي يحفظ الفرد والأمة، والإعراض عنها يفضي إلى فساد الأحوال واضطراب المجتمعات.

المفهوم الثاني: ترك دفع العدوان عند قيام سببه

فبعد أن قررت الآيات مشروعية القتال لرد الاعتداء وإزالة الفتنة، كان ترك القيام بهذا الواجب سببًا لانهيار الأمة واستضعافها، وهو من أعظم صور التهلكة.

المفهوم الثالث: الإقامة على المعاصي وترك إصلاح النفس

فالمعاصي أسباب للهلاك، والإصرار عليها مع ترك التوبة يفضي إلى فساد الفرد والمجتمع.

المفهوم الرابع: إهمال القوة الاقتصادية والبخل بالإنفاق

وقد دل عليه اقتران الأمر بالإنفاق بالنهي عن التهلكة؛ إذ إن ضعف الموارد وشح الإنفاق يؤديان إلى ضعف القوة وارتهان القرار واستباحة الأعداء.

المفهوم الخامس: تعمد الأسباب المؤدية إلى الهلاك الحسي

فيدخل فيه كل تصرف يغلب على الظن أنه يؤدي إلى التلف، سواء في ميادين القتال أو في غيرها، لأن النهي جاء عامًا يشمل جميع أسباب الهلاك.

________________________________________

وبهذا كشفت الآيات عن قدرة مدهشة على حشد منظومة تشريعية متكاملة في مساحة لفظية وجيزة؛ إذ جمع بين بيان أسباب مشروعية القتال، وشروطه، ومبادئه الحاكمة، ومظاهر التهلكة التي تهدد بقاء الأمة، في نسق متدرج يربط بين العقيدة، والسياسة، والدفاع، والاقتصاد، والأخلاق. وهذا التماسك البنائي يؤكد أن القرآن لا يعالج الوقائع معالجةً جزئية، وإنما يؤسس منظوماتٍ متكاملة تحفظ الدين، وتصون الإنسان، وتبني الحضارة على أسس العدل والإحسان.

 

0 تعليق
0
يرجى تسجيل الدخول أو إنشاء حساب للمشاركة بالتعليقات والتفاعل.تسجيل الدخول / إنشاء حساب
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!